هو كان مسافراً نوفمبر 30, 2008
Posted by decemberforever in 1, مشاركات من أصدقائي.trackback
هو كان مسافرا ً
لا تزال ذاكرتي ترتعش خوفا ً عند رؤية القماش المنقط وقماش المربعات وخاصة ً الأبيض والأسود
قصة ٌ قديمة وذاكرتي ترفض أبدا ً نسيانها
فجرحها قديم ٌ متجدد …صغير ٌ ويكبر
كان يومها صباح العيد وأنا وأختي الصغيرة نرتدي ثياب العيد الجديدة التي قامت أمي بتفصيلها لنا عند الخياط وكان القماش وردي اللون ومنقطا ً بدوائر سوداء وكنا حينها في بيت خالتي نستعد للذهاب لرؤية أمي وأبي العائدان من السفر.
قطع أحلامي الصغيرة وأنا شاردة صوت الهاتف الذي أخذ يرن بقوة ،كان لصوته دويا ً كوقع الأخبار التي يحملها من يقف على الجهة الأخرى من الهاتف.
حملت خالتي سماعة الهاتف، وإذ بصرخة مخنوقة ملأت فضاء الغرفة الساكنة …فأخذتني ذاكرتي مجتازة بي ثمانية أيام إلى الوراء…..
كان الوقت مبكرا ً وإذ بنا نستيقظ على رنين الهاتف الذي كان يصر على أن يوقظنا ، نهضت أمي من السرير مسرعة ً ورفعت سماعة الهاتف.
لا أزال أذكر وجه أمي… الذي كانت ملامحه كلها تصرخ خائفة ً متفاجئة ً متلعثمة ً وكلمات متقطعة خرجت من شفتاها المرتجفتان……حادث – أين – كيف
ارتدت ثيابها ووضبت قليلا ً من أغراضها ورحلت .ثمانية أيام عدت… ولا أدري إن كانت ثمانية أيام أم كانت دهرا ً كاملا ً عشنا فيه ومتنا آلاف المرات .
ثم أعادتني من سفر ذاكرتي الفوضى المرتبكة التي عمت منزل خالتي ووجوه ٌ خُطفت منها الفرحة فجأة ً ومسح الحزن والفجيعة منها كل ملامح البهجة، ودمعات ٌ تختبئ رغما ً عنها لكنها لم تخفي ذلك الحزن القابع في الأعماق الذي يتأهب للخروج فورا ً ….
نظرت حولي محاولة ً أن أنكر كل ما يجري محاولة ً أن أقنع نفسي أنه مجرد كابوس وأنني سأستفيق منه لأجد العيد من حولي .. لكن أحلامي و آمالي هذه كانت مجرد أحلام طفلة ٍ صغيرة حطمتها بسرعة يد القدر القاسية ومشت فوقها الأيام دون أن تكترث ….
ولا أدري كيف وجدت نفسي في السيارة …إلى أين نذهب وماذا نفعل لا أدري … توقفت السيارة للحظة ٍ عند زاوية الشارع ، كان الناس في الشارع يمشون ويضحكون والأطفال يلعبون فرحين بالعيد وعيوني ترقبهم متفاجئة ً ومذهولة … كانت تجول بينهم … تحاول أن تبحث عن إجابة ٍ لأسئلة ٍ كثيرة … كانت تدور في خاطري مسرعة ً مرتبكة ً دونما ترتيب أو حتى فهم ٍ لأي شيء يدور حولي.
كانت أختي وابنة خالتي من بين الجموع التي كانت تحاول أن تخيط لها خيطا ً فرحا ً من نسيج هذا العيد إلا أنه سرعان ما قطع …..
ركبت أختي معنا كانت أكثر واقعية ً مني بل أكثر جرأة ً، فبينما كنت أحاول الهروب من هذا الكابوس الذي وقعت فيه غفلة ً من أحضان أب ٍ يروي لي الحكايات الجميلة لأسافر في أحلامي السعيدة ، كانت أختي مدركة ً تماما ً لما يجري ، فمن اللحظة الأولى التي رأت فيها تلك الوجوه المحطمة عرفت أن بطلا ً قد ترك ساحة المعركة ومضى … تاركا ً لنا سيفه وبطولاته لتحكي عنه …
صرخات ٌ عميقة ومؤلمة ودمعات ٌ حارقة وقلب ٌ مفجوع …
قلبي كان يخفق بسرعة وعيوني تائهة لا تزال تريد الحصول على إجابة ٍ ولو كانت كاذبة لكنها تبعد عني ذلك الشبح الذي خيم حولنا
وصلنا بيت جدي………….
أرض الدار ملأى بوجوه شاحبة وأجساد ٍ وشحها السواد …. بين هذه الوجوه سقطت عيناي على ذلك الوجه الذي لم يبقي منه الحزن والألم سوى آهات ٍ مرة تنتشر في الفضاء لترتطم بأصداء الواقع ونحيب النساء، كانت أمي تقبع هناك بلا حراك مرتدية ثوبها الأبيض والأسود ..
وكأنها كانت مثلي لم تدرك بعد ما يجري…. لا أدري كيف أصبحت في أحضانها … كان شوقي إليها كبيرا ً وألمي كان أكبر ، عندها فقط أدركت أنها وحيدة … عادت وحيدة وستبقى وحيدة ….
لقد ذهبت إلى هناك لتأتي لنا هي وأبي بصناديق الهدايا بالعيد …. فجاءت معه لكنه هو من كان في صندوق ……..
كنت مشتاقة له كثيرا ً لكنهم لم يعطوني صورة الذكرى الأخيرة ………..بقيت في صندوق وطارت فوق الأكتاف….
بكت السماء كثيرا ً وتفجر غضبها رعدا ً
وهو كان مسافرا ً ولم يعد…………………..
-Narmin-





ِ

NARMIN
قصة جميلة وسلسة ابكتني ذكرياتنا الحزينة تبقى محفورة في القلب
كم هو رائع هذا المقطع
كنت مشتاقة له كثيرا ً لكنهم لم يعطوني صورة الذكرى الأخيرة ………..بقيت في صندوق وطارت فوق الأكتاف….
شكراً لقلمك اتمنى لك الاستمرار
هو كان مسافراً … و لكن ليطل من مكان أرحب و أجمل على صباحاتنا التي تطلع مع الشمس ، و لينتقل من الجسد ليسكن في الحضور اللانهائي و ليسكن القلب ، و سكان القلب دائماً لا يعرفون الغياب فهم الأشد حضوراً
هل تعرف (ين) ؟ كل ما فارقني عزيز حضر معي دائماً