أحبك أو لا أحبك 1972 نوفمبر 6, 2008
Posted by decemberforever in محمود درويش.trackback
مقاطع من مزامير
-1-
أحبّك ِ , أو لا أحبّك –
أذهبُ , أترك خلفي عناوين قابله ً للضياعْ .
وأنتظر العائدين , وهم يعرفون مواعيد موتي و يأتون .
أنت التي لا أحبّك حين أحبّك , أسوار بابلَ
ضيقة ٌ في النهار , وعيناك واسعتان , ووجهك
منتشر في الشعاع .
كأنك لم تولدي بعد . لم نفترق بعد . لم تصرعيني.
وفوق سطوح الزوابع كل الكلام جميل , وكلّ
لقاء وداع .
وما بيننا غير هذا اللقاء , وما بيننا غير هذا الوادع .
أحبّك , أو لا أحبّك-
يهرب مني جبيني , وأشعر أنك لا شيء أو كل شيء .
وأنك قابلة للضياع .
أريدك ِ , أو لا أريدكِ-
إن خرير الجداول محترق ٌ بدمي . ذات يوم أراك ,
وأذهب .
وحاولتُ أن أستعيد صداقة أشياء غابت-نجحت
وحاولت أن أتباهى بعينين تتسعان لكل خريف-
نجحت – وحاولت أن أرسم اسماً يلائم زيتونةً
حول خاصرةٍ- فتناسل كوكبْ.
أريدك حين أقول أنا لا أريدك..
وجهي تساقط . نهر ٌ بعيد ٌ يذوبُ جسمي . وفي السوق
باعوا دمي كالحساء المعلب.
أريدك , حين أقول أريدك-
يا إمرأة وضعت ساحل البحر المتوسط في
حضنها..وبساتين آسيا على كتفيها..وكل السلاسل في قلبها .
أريدك , أو لا أريدك-
إن خرير الجداول . إن حفيف الصنوبر . إن هدير
البحار. وريش البلابل محترق ٌ في دمي- ذات
يوم أراك و أذهب .
أغنّيك , أو لا أغنّيك –
أسكتُ. أصرخ . لا موعد للصراخ و لاموعد
للسكوت. وأنتِ الصراخ الوحيد وأنتِ السكوت
الوحيدْ .
تداخل جلدي بحنجرتي . تحت نافذتي تعبر الريح
لابسةً حرساً . والظلام بلا موعد . حين ينزل
عن راحتّي الجنود
سأكتبُ شيئاً..
وحين سينزل عن قدميّ الجنود
سأمشي قليلاً..
وحين سيسقط عن ناظريّ الجنود
أراك ..أرى قامتي من جديد
أغنّيك , أو لا أغنّيك
أنت الغناء الوحيد , وأنت تغنّينني لو سكت . وأنت
السكوت الوحيد .
-2-
في الأيام الحاضره
أجد نفسي يابساً
كالشجر الطالع من الكتب
والريح مسألة عابره .
أحارب ..أو لا أحارب ؟
ليس هذا هو السؤال
المهم أن تكون حنجرتي قويّة .
أعمل ..أو لا أعمل؟.
ليس هذا هو السؤال
المهم أن أرتاح ثمانية أيام في الأسبوع
حسب توقيت فلسطين
أيها الوطن المتكرر في الأغاني و المذابح ,
دلني على مصدر الموت
أهو الخنجر ..أم أكذوبة
لكي أذكر أن لي سقفاً مفقوداً
ينبغي أن أجلس في العراء.
وليكلا أنسى نسيم بلادي النقي
ينبغب أن أتنفس السل
ولكي أذكر الغزال السابح في البياض
ينبغي أن أكون معتقلاً بالذكريات
ولكيلا أنسى أن جبالي عالية
ينبغي أن أسرّح العاصفة من جبيني.
ولكي أحافظ على ملكية سمائي البعيدة
يجب ألا أملك حتى جلدي .
أيها الوطن المتكرر في المذابح و الأغاني
لماذا أهرّبك من مطار إلى مطار
كالأفيون..
والحبر الأبيض..
وجهاز الإرسال ؟!
أريد أن أرسم شكلك.
أيها المبعثر في الملفات و المفاجآت
أريد أن أرسم شكلك
أيها المتاطير على شظايا القذائف و أجنحة العصافير
أريد أن أرسم شكلك
فتخطف السماء يدي .
أريد أن أرسم شكلك
أيها المحاصر بين الريح و الخنجر
أريد أن أرسم شكلك
كي أجد شكلي فيك
فأتَهَم بالتجريد وتزوير الوثائق والصور الشمسية
أيها المحاصر بين الخنجر و الريح.
ويا أيها الوطن المتكرر في الأغاني و المذابح
كيف تتحول إلى حلم و تسرق الدهشة
لتتركني حجرأً.
لعلك أجمل في صيرورتك حلماً
لعلك أجمل!..
لم يبقَ في تاريخ العرب
اسم أستعيره
لأتسلل به إلى نوافذك السّرية.
كل الأسماء السرية محتجزة
في مكاتب التجنيد المكيّفة الهواء
فهل تقبل اسمي –
اسمي السري الوحيد –
محمود درويش ؟
أما اسمي الأصلي
فقد انتزعته عن لحمي
سياط الشرطة وصنوبر الكرمل
أيها الوطن المتكرر في الأغاني و المذابح
دُلني على مصدر الموت
أهو الخنجر
أم الأكذوبة ؟!
-3-
يوم كانت كلماتي
تربةً..
كنتُ صديقاً للسنابلْ.
يوم كانت كلماتي
غضباً..
كنتُ صديقاً للسلاسل
يو كانت كلماتي
حجراً..
كنتُ صديقا ً للجداول.
يوم كانت كلماتي
ثورةً..
كنتُ صديقاً للزلازل
يوم كانت كلماتي
حنظلاً
كنتُ صديق المتفائل
حين صارت كلماتي
عسلاً..
غطى الذباب
شفتيّ!..
-4-
تركت وجهي على منديل أمي
وحملت الجبال في ذاكرتي
ورحلت ..
كانت المدينة تكسر أبوابها
وتتكاثر فوق سطوح السفن
كما تتكاثر الخضرة في البساتين التي تبتعد..
إنني اتكىء , على الريح
أيتها القامة التي لا تنكسر
لماذا أترنّح؟…وأنت جداري
وتصقلني المسافة
كما يصقل الموت الطازج وجوه العشّاق
وكلما ازددتُ اقتراباً من المزامير
ازددت نحولاً
يا أيتها الممرات المحتشدة بالفراغ
متى أصل؟..
طوبى لمن يلتفّ بجلده !
طوبى لمن يتذكر اسمه الأصلي بلا أخطاء !
طوبى لمن يأكل تفاحة ولا يصبح شجرة .
طوبى لمن يشرب من مياه الأنهار البعيدة
ولا يصبح غيماً !
طوبى للصخرة التي تعشق عبوديتها
ولا تختار حرية الريح !..
-7-
ظلّ ُ النّخيل , وأخر الشهداء , والمذياع يرسل صورةً
صوتية ً عن حالة الأحباب يومياً , أحبّك في
الخريف و في الشتاءْ .
-لم تبك حيفا . أنت تبكي . نحن لا ننسى تفاصيل
المدينة , كانت امرأة ً , وكانت أنبياءْ .
البحرُ ! لا .البحر لم يدخل منازلنا بهذا الشكل .
خمسُ نوافذ غرقت ْ , ولكن السطوح تعجّ ُ
بالعشب المجفف والسماء ْ-
ودّعت سجاني . سعيداً كان بالحرب الرخيصة .
آه ياوطن القرنفل و المسدس , لم تكن أمي معي .
وذهبت أبحث عنك خلف الوقت و المذياع . شكلك
كان يكسرني .. ويتركني هباءْ .
كان الكلام خطيئةً . والصمت منفى . والفدائيون
أسرى توقهم للموت في واديك . كان الموت تذكرة
الدخول إلى يديك . وكنت َ تحتقر البكاءْ .
والذكريات هويةً الغرباء أحياناً , ولكن الزمان
يضاجع الذكرى وينجب لاجئين , ويرحل
الماضي , ويتركهم بلا ذكرى . أتذكرنا ؟ وماذا
لو تقول : بلى ! . أنذكر كل شيٍء عنك ؟ ماذا
لو نقول : بلى ! .. وفي الدنيا قضاة ٌ يعبدون الأقوياءْ.
من كل نافذةٍ رميتُ الذكريات كقشرة البطيخ ,
واستلقيتُ في الشفق المحاذي للصنوبر ( تلمع
الأمطار في بلد بعيد .تقطف الفتياتُ خوخاً غامضاً ..)
والذكريات تمرّ ُ مثل البرق في لحمي , وترجعني
إليك .. إليك . إن الموت مثل الذكريات كلاهما
يمشي إليك . . إليك , يا وطناً تأرجح بين كل
خناجر الدنيا وخاصرة السماءْ .
ظل النخيل , وأخر الشهداء والمذياع يرسل صورة
صوتية عن حالة الأحباب يوميّاً-أحبك في
الخريف وفي الشتاءْ .
-8-
حالة الاحتضار الطويلهْ
أرجعتني إلى شارع في ضواحي الطفولة
أدخلتني بيوتاً
قلوباً
سنابل
منحتني هويه
جعلتني قضيه
حالة الاحتضار الطويلهْ.
كان يبدو لهم
أنني ميت , والجريمةُ مرهونة بالأغاني
فمرّوا , ولم يلفظوا اسمي
دفنوا جثتي في الملفات والانقلابات ,
وابتعدوا .
(والبلاد التي كنتُ أحلم فيها-سوف
تبقى البلاد التي كنتُ أحلم فيها ) .
كان عمراً قصيراً
وموتاً طويلاً
وأفقت قليلا
وكتبتُ اسم أرضي على جثتي
وعلى بندقيهْ
قلت : هذا سبيلي
وهذا دليلي
إلى المدن الساحليهْ.
وتحركتُ ,
لكنهم قتلوني .
دفنوا جثتي في الملفات والانقلابات ,
وابتعدوا .
(والبلاد التي كنتُ احلم فيها0
سوف تبقى البلاد التي كنتُ أحلم فيها)
أنا في حالة الاحتضار الطويله
سيّد الحزن .
والدمع من كل عاشقة عربيه
وتكاثر حولي المغنون والخطباء
وعلى جثتي ينبت الشعر و الزعماء
وكل سماسرة اللغة الوطنيّه
صفَقوا
صفَقوا
صفقوا
ولتعشْ
حالة الاحتضار الطويلهْ
حالة الاحتضارالطويلهْ
أرجعتني إلى شارع في ضواحي الطفولهْ
أدخلتني بيوتاً .. قلوباً .. سنابل
جعلتني قضيه
منحتني هويه
وتراث السلاسل .
-10-
الرحيل انتهى
من يغطي حبيبي
كيف مرّ َ المساء المفاجئ
كيف اختفى
في عيون حبيبي؟
الرحيل انتهى .
أصدقائي يمرون عني .
أصدقائي يموتون فجأة
الرحيل انتهى
في جناح السنونو .
الرحيل ابتدأ
حين فرّ السجين .
ماعرفتُ الضياع
في صرير السلاسل
كان لحمي مشاع
كسطوح المنازل
لعدوي , ولكن
ماعرفتُ الضياع
في صرير السلاسل
أصدقائي يمرون عني
أصدقائي يموتون فجأه .





ِ

تعليقات»
No comments yet — be the first.